صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
30
تفسير القرآن الكريم
والأرض وما فيهما مخلوقة في ستة أيام ، ولا وجدت في كلام أحد المفسرين وغيرهم ما يطمئنّ به القلب في بيان ذلك ، فإن الأيام هي مقادير الحركات وهي متأخرة عن وجود الأجرام الكلية ، كالأفلاك وما فيها ، سواء كانت عبارة عن مقادير أدوار الحركة اليومية كما هو المتعارف بين الناس ، أو عن مقدار دورة القمر التي أسرع الدورات لكواكب السيارات ، وهو الشهر في المشهور ، أو هو مقدار دورة الشمس وهي السنة في المشهور ، أو غيرها كدورة الفلك الثامن التي هي مقدارها خمس وعشرين ألف سنة تخمينا بحسب الأرصاد الجديدة ، أو غيرها من الأيام الإلهية التي بحسب الأدوار القرآنية للكواكب السبعة فإن جميعها ليست إلا مقادير الحركات الكليّة ، وهي متأخرة عن وجود الأجرام الكريّة الدورية الحركات كالأفلاك وما فيها ، فكيف يكون ظرفا لوجود هذه الأجرام بأنفسها ومقدارا لأصل تكوّنها عنه تعالى . وأكثر المشتغلين بالعلوم العقلية اعترفوا بالعجز عن تطبيق هذا الحكم على القوانين الحكمية ، لأن الحكماء أقاموا حججا فلسفية على أن وجود الأفلاك والفلكيات ليس إلا على سبيل الإنشاء الإبداعى ، لا على نهج التدرّج في الحصول ، ولا لأجل الأسباب الجسمانية ، كاستعداد القوابل وتهيئة الآلات ، وكذا فنائها ليس بالذبول والضعف والمرض ، بل مجرد إرادة الصانع البديع ، فهذا الإشكال غير منحلّ إلى الآن . وغاية ما ذكر هاهنا هو قول بعض المحققين من العرفاء « 1 » في تأويل هذه الآية وأمثالها ، وهو أن يكون الخلق فيها بمعنى الاحتجاب فقوله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما أي : احتجب بها في الأيام الستّة الإلهية ، التي هي مدة دور الخفاء من لدن آدم عليه السّلام إلى دور محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . وأنت خبير بأن خروج الألفاظ القرآنية عن معانيها المتعارفة المشهورة توجب
--> ( 1 ) التفسير المنسوب إلى محيي الدين : 2 / 273 .